محمد أبو زهرة

315

المعجزة الكبرى القرآن

وواضح أن الدية لتعويض الأسرة وهي تجب على أسرة الجاني لأسرة المجنى عليه ، وفي وجوبها على أسرة الجاني معنى التعاون الاجتماعي بين الأسرة في دفع الأذى ، والحمل على المعاونة في التأديب النفسي . والكفارة فيها تعويض لجماعة المؤمنين ، لأنه بقتله لمؤمن قد نقص عدد المؤمنين ، فكان الواجب أن يعوض ما نقص بعتق رقبة مؤمنة ، لأن العتق إعطاء الحرية ، والحرية كالحياة . وفي الجملة أن الكفارات كلها التي جاء بها القرآن وبينتها السنة النبوية فيها معنى العبادة ، وفيها صلاح ، وفيها تعاون اجتماعي إنساني . في الأسرة 189 - قبل أن نتلو الآيات الكريمة التي تصدت لأحكام الأسرة وتنظيم العلاقات بين آحادها . أو نشير إلى بعض تلك الآيات الكريمة لا بد أن ننبه إلى أمرين : أولهما : ما ذكرناه آنفا من أن العبادات قد ذكرت في القرآن إجمالا وترك أمر بيانها للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وأشرنا إلى ما أدركنا حكمته لعلم اللّه تعالى في شرعه وبيان أحكامه . الأمر الثاني : أن الأسرة ذكرت أحكامها تفصيلا من وقت تكوينها بعقد الزواج إلى أن يقرر اللّه تعالى التفريق بالموت ، أو الطلاق ، وذكر أحكام الأسرة الممتدة غير المقصورة على الزوجين ، وما بينته السنة لا يعد كثيرا بالنسبة لما بينه القرآن الكريم . ثم ذكر القرآن الكريم توزيع المال في آحاد الأسرة ، وفي الميراث ، ويكاد القرآن الكريم يستغرق كل أحكامه في تفصيل لا إجمال فيه . وهنا يسأل السائل ، لما ذا كان التفصيل في أحكام الأسرة ، ولم يترك أمرها لبيان النبي عليه الصلاة والسلام فقط ، ونقول في الجواب عن ذلك أن هذه حكمة علام الغيوب ، وأننا نتلمس معرفة بعض هذه الحكمة ، راجين ألا نكون داخلين في النهى في قوله تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ( 36 ) [ الإسراء : 36 ] . وإن هذا بلا ريب من عناية القرآن الكريم بالأسرة ، إذ جاء النص على أحكامها بآيات محكمة ، وإذا كانت عناية الإسلام بالعبادات ، جعلت أحكامها عملية يتولاها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، لتربى النفوس عليها بالدربة والتهذيب لا بمجرد التلقين ، فعناية الإسلام بالأسرة كانت بالنص الكامل على نظامها ، لكيلا ينحرف الناس بأهوائهم عنها ، ولكيلا ينكروا تطبيقها ويجعلوا لعقولهم سبيلا للتحكم في أموالها ،